أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
323
التوحيد
عَلِيمٌ ) « 1 » فقوله : لهبط على اللّه ، يعني أنه تعالى كما أنه ظاهر في السماوات السبع ظاهر أيضا في الأرضين السبع ، وكما أنه ظاهر فوق سبع سماوات ظاهر أيضا تحت سبع أرضين ، حتى إنكم « لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط ذلك الحبل على اللّه » « 2 » وكان ظهور اللّه هناك كما أن ظهوره هنا سواء ، وذلك لأن الوجود الواحد الحق سبحانه بكل شيء محيط ، أي شيء كان في أي جهة من جهات العالم كان ذلك الشيء ، وجميع الأشياء نسبتها إليه تعالى نسبة واحدة ، لأنه الوجود الواحد الحق الذي قدر وصور بقدرته وإرادته كل شيء ، فكل شيء مجرد تقديره وتصويره ، وكل شيء هالك إلا وجهه ، أي إلا وجوده الواحد الحق جل وعلا ، ثم أيد ما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني أنه تعالى هو الوجود الواحد الحق الذي لا أول إلا هو ولا آخر إلا هو ولا ظاهر إلا هو ولا باطن إلا هو ، وهو الكل لأن الوجود ظاهر بالكل والكل ظاهر بالوجود ، ولا وجود إلا هو ، وهو المنزه عن مشابهة الكل لأنه كما قال تعالى تسبح أي تنزه وتقدس ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . أي لا تفهمونه إنه كان حليما على البعض منكم فيؤخر عقوبته إلى الآخرة ، غفورا للبعض منكم فيسامحه ولا يعاقبه في الآخرة ، فذلك موكول إلى مشيئته تعالى ، ولا يفقه تسبيح الأشياء إلا من شهد الوجود الواحد الحق في كل شيء ، ولا شيء [ موجود بنفسه ] لأن الشيء تقديره تعالى وتصويره الفاني المعدوم الأصل ( إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة ) الصريحة بمعنى وحدة الوجود فمن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الترمذي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن اللّه تبارك وتعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل » . فمعنى خلق خلقه في ظلمة أي قدر تقاديره وصور تصاويره وعين تعيناته في العدم المحض ، فألقى عليهم من نوره أي تجلى عليهم وانكشف لهم أنه الوجود الواحد الحق لا وجود غيره كما قال سبحانه اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فمن أصابه من ذلك النور أي كشفت بصيرته وتحققت سريرته أنه تعالى هو الوجود الواحد الحق لا وجود غيره ، وإن جميع العالم عدم صرف وتصاوير محضة ، ومجرد تعينات واعتبارات مفروضات صنعه قادر مريد . اهتدى أي وصل إلى المعرفة وكان مؤمنا حقا والمؤمن ينظر بنور اللّه ، ومن أخطأه أي لم يصبه ذلك النور لدعواه الوجود وجهله بمعرفة نفسه أنه مجرد تقدير وتصوير لا وجود له سابق ولا لاحق ، ولم يكشف عن الوجود الواحد سبحانه ، وأنه لا وجود غيره فقد ضل عن سواء السبيل ، ولو ذهبنا نستوفي الأحاديث في هذا الباب لطال بنا الكتاب ، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه ، ( 57 باب ومن سورة الحديد ) حديث رقم ( 3298 ) [ 5 / 403 ] . رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الخبر الدال على أن هذه الألفاظ . . ، حديث رقم ( 269 ) [ 1 / 503 ] . ( 2 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة الحديد ، حديث رقم ( 3298 ) [ 5 / 403 ] وروى نحوه الطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه علي ، حديث رقم ( 4107 ) [ 4 / 249 ] ورواه غيرهما .